ابن الأثير

452

الكامل في التاريخ

وقيل كان سبب ذلك أنّ المعتصم كان قد أكثر من الغلمان الأتراك ، فكانوا لا يزالون يرون الواحد بعد الواحد قتيلا ، وذلك أنّهم كانوا جفاة ، يركبون الدوابّ ، فيركضونها إلى الشوارع ، فيصدمون الرجل والمرأة والصبيّ ، فيأخذهم الأبناء عن دوابّهم ، ويضربونهم ، وربّما هلك أحدهم فتأذى بهم النّاس . ثمّ إنّ المعتصم ركب يوم عيد ، فقام إليه شيخ فقال له : يا أبا إسحاق ! فأراد الجند ضربه ، فمنعهم وقال : يا شيخ ما لك ، ما لك « 1 » ؟ قال : لا جزاك اللَّه عن الجوار خيرا ، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك ، فأسكنتهم بيننا ، فأيتمت صبياننا ، وأرملت بهم نسواننا ، وقتلت رجالنا ، والمعتصم يسمع ذلك ، فدخل منزله ، ولم ير راكبا إلى مثل ذلك اليوم ، فخرج ، فصلّى بالنّاس العيد ، ولم يدخل بغداذ ، بل سار إلى ناحية القاطول ، ولم يرجع إلى بغداذ . قال مسرور الكبير : سألني المعتصم أين كان الرشيد يتنزّه إذا ضجر ببغداذ ، قلت : بالقاطول ، وكان قد بنى هناك مدينة آثارها وسورها قائم ، وكان قد خاف من الجند ما خاف المعتصم ، فلمّا وثب أهل الشام بالشام وعصوا خرج إلى الرّقّة فأقام بها ، وبقيت مدينة القاطول لم تستتمّ . ولما خرج المعتصم إلى القاطول استخلف ببغداذ ابنه الواثق ، وكان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحوف بمصر ، واستخدمهم ، وسمّاهم المغاربة ، وجمع خلقا من سمرقند ، وأشروسنة ، وفرغانة ، وسمّاهم الفراغنة ، فكانوا من أصحابه ، وبقوا بعده « 2 » . وكان ابتداء العمارة بسامرّا سنة إحدى وعشرين ومائتين .

--> ( 1 ) . P . C . mO ( 2 ) . عنده . B